شبكة الدفاع عن السنة

شبكة الدفاع عن السنة (http://www.dd-sunnah.net/forum/index.php)
-   كتب ووثائق منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة (http://www.dd-sunnah.net/forum/forumdisplay.php?f=65)
-   -   من درَر إمامىّ الهدى ومُجددىّ الملة : أُعجوبتىّ الفُقهاء / مُتجدد (http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=166871)

مسلم 70 01-01-19 12:09 AM



قال فى طريق الهجرتين
فصل: فى بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه
والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، أنه سبحانه محمود على ذلك مشكور حمد المدح وحمد الشكر، أَما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق إِذ هو رب العالمين والحمد لله رب العالمين وأَما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة فى حق المؤمن إِذا اقترن بواجبه من الإحسان، والنعمة إِذا [اقترنت بالشكر صارت] نعمة والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمه، والطاعة من أَجلّ نعمه، وأَما المعصية فإِذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإِنابة والذل والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضاً وإِن كان سببها مسخوطاً مبغوضاً للرب تعالى، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار، وهو سبحانه أَفرح بتوبة عبده من الرجل إِذا أضل راحلته بأَرض دوِّية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأَيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإِذا بها قد تعلق خطامها فى أَصل شجرة فجاءَ حتى أخذها، فالله أَفرح بتوبة العبد حين يتوب إِليه من هذا براحلته، فهذا الفرح العظيم الذى لا يشبهه شيء أَحب إِليه سبحانه من عدمه، وله أَسباب ولوازم لابد منها، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإِن كان محبوباً له فهذا الفرح أَحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع، فله من الحكمة فى تقدير أَسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة. هذا بالإضافة إلى الرب جل جلاله، وأَما بالإِضافة إلى العبد فإِنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أَسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إِذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإِن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب تعالى محمود على الأَمرين، فإِن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من والتوبة والذل والإِنابة والانكسار فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإِن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إِلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة فى الملأ الأعلى ومعلوم وأن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأَرواح الخبيثة فى المحل الأَسفل، فإن هذه النفوس إِذا كانت مهيأَة لذلك فمن الحكمة أَن تستخرج منها الأسباب التى توصلها إلى ما هى مهيأَة له ولا يليق به سواه والرب تعالى محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والأنعام القابلين له فما كل أحد قابلاً لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضى أن لا يودع وإِحسانه وكنوزه فى محل غير قابل لها.
ولا يبقى إِلا أَن يقال: فما الحكمة فى خلق هذه الأرواح التى هى غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية. وأَن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته، وأَن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية. وأَيضاً فإن هذه الحوادث نعمة فى حق المؤمن، فإِنها إِذا وقعت فهو مأمور أن نكرها بقلبه ويده ولسانه فقط أَو بقلبه فقط،ومأمور أَن يجاهد أَربابها بحسب الإِمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه، وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك، والمقصود بالقصد الأول إِتمام نعمته تعالى على أَوليائه ورسله وخاصته فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أُوليائه غاية الحكمة، وكان فى تمكين أَهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إِيصال إِلى الكمال الذى يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإِنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل نفوسهم وأَموالهم وقواهم له، فإِن تمام العبودية لا يحصل إِلا بالمحبة الصادقة، وإِنما تكون المحبة صادقة إِذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة فى مرضاة محبوبة والتقرب إِليه، فإِن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة، ومن المعلوم أَن من لوازم ذلك التى لا يحصل إِلا بها أَو يخلق ذواتاً وأَسباباً وأَعمالاً وأَخلاقاً وطبائع تقتضى [معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته لها وعند ذلك تتحق] المحبة الصادقة من غيرها فكل أَحد يحب الإِحسان والراحة والدعة واللذة، ويجب من يوصل إِليه ذلك ويحصله له، ولكن الشأْن فى أَمر وراءَ هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أَكره شيء إِلى النفوس وأَشق شيء عليها مما لا يلائمها، فعند حصول أَسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يجب ممن يحبه لأَجل مخلوقاته فقط من المأْكل والمشرب والمنكح والرياسة، فإِن أُعطى منها رضى وإِن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته، فلولا خلق الأضداد وتسليط أَعدائه وامتحان أَوليائه بهم لم يستخرج خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة [فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له، ولا عبودية بذل الأرواح] فى جهاد أَعدائه ونصرته وعبودية مفارقة الأمر عنده أحوج ما يكون إليهم عبده فى مرضاته ما يتحسر إليهم وهو الذى عاب نفسه وملاذ بها بأيديهم قد جنى بمفارقتهم ومشايعتهم وأما من موالاة الحق عليهم، فلولا الأَضداد والأَسباب التى توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار.
وأَيضاً فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإِيثاراً لمرضاته وطلباً للزلفى لديه والقرب منه. وأَيضاً فلولا ذلك لم تكن هذه النشأَة الإِنسانية إِنسانية، بل كانت ملكية، فإِن آلله سبحانه خلق خلقه أَطواراً:

مسلم 70 01-01-19 12:11 AM

قال
وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين ويحبونه، بل لا شيء أَحب إِليهم منه ولا أشوق إليهم من لقائه ولا أَقر لعيونهم من رؤيته ولا أحظى عندهم من قربه، وأَنه سبحانه له الحكمة البالغة فى خلقه وأمره وله النعمة السابغة على خلقه، وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التى عليها طعامه وشرابه فى الأَرض المهلكة بعد فقدها واليأْس منها، وأَنه سبحانه لم يكلف عباده إِلا وسعهم وهودون طاقتهم، فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم، بخلاف وسعهم فإِنه ما يسعونه ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع، وأَنه سبحانه لا يعاقب أَحداً بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه، وأنه [سبحانه] حكيم كريم جواد ما جد محسن ودود وصبور شكور يطاع فيشكر ويعصى فيغفر، لا أَحد أصبر على أَذى سمعه منه، ولا أَحب إِليه المدح منه ولا أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين جميل يحب الجمال، طيب يحب كل طيب، نظيف يحب النظافة، عليم يحب العلماءَ من عباده، كريم يحب الكرماءَ، قوى والمؤمن القوى أَحب إِليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأَبرار، عدل يحب أَهل العدل حى ستير يحب أهل الحياءِ والستر عفو غفور يحب [من] يعفو من عباده ويغفر لهم، صادق يحب الصادقين، رفيق يحب الرفق، جواد يحب [الجود] وأهله، رحيم يحب الرحماءَ، وتر يحب الوتر، ويحب أَسماءه وصفات ويحب المتعبدين له بها ويحب من يسأَله ويدعوه بها ويحب من يعرفها ويعقلها [ويثنى] عليه بها ويحمده ويمدحه بها
كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم: "لا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، ولا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ"، وفى حديث آخر صحيح: "لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذَى سَمْعِهِ مِنَ اللهِ، يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَداً وَهُوَ يَرْزفقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ"� � ولمحبته لأَسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل والإِحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأَناة والتثبت ولما كان سبحانه يحب أَسماءَه وصفاته كان أَحب الخلق إِليه من اتصف بالصفات التى يحبها، وأَبغضهم إِليه من اتصف بالصفات التى يكرهها، فإِنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأَن اتصافه بها ظلم، إِذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه، لمنافاتها لصفات العبيد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعديه طوره وحدَّه، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإِحسان والصبر والشكر فإِنها لا تنافى العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته،


مسلم 70 04-01-19 10:03 PM





إهداء آخر للموسوسين وعلاج لهم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية مجلد 14 من مجموع الفتاوى حتى أن سفيان ابن عيينة سئل عن قوله (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) قال إلا يسرها ولم يكلفها طاقتها قال البغوى وهذا قول حسن
لأن الوسع ما دون الطاقة قال ابن الإنبارى فى قوله تعالى (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) أى لا تحملنا ما يثقل علينا أداءه وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه والإستطاعة فى الشرع ما لا يحصل معه للكلف ضرر راجح كاستطاعة الصيام والصلام

مسلم 70 09-01-19 12:01 PM

نتناااابع...

مسلم 70 13-01-19 10:47 AM



معنى الصلاة على النبى الكريم
قال العلامة بن القيم فى كتابه جلاء الأفهام
(فصلاة العبد على الرسول هي ثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم وإرادة من اللَّه أن يُعليَ ذكره ويزيده تعظيماً وتشريفاً. والجزاء من جنس العمل فمن أثنى على رسوله: جزاه اللَّه من جنس عمله بأن يثني عليه، ويزيد تشريفه وتكريمه).
وقال أبو العالية رحمه الله أنَّ صلاةَ الله على نبيِّه : ثناؤه عليه في الملأ الأعلى وهذا يشمل ما ذكره الإمام ابن القيم ولكنه خصصه بالملأ الأعلى وقد أمر النبى بالدعاء له بذلك بأن يكون فى العالمين أى برفع ذكره فى العالمين والله أعلم
أما من فسرها بالرحمة فبعيد كما أفاده العلامة الإمام ابن عثيمين رحمه الله لأن الله تعالى قال .فقد قال الله تعالى : ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة157 ، فعطف " الرحمة " على " الصلوات " والعطفُ يقتضي المغايرة فتبيَّن بدلالة الآية الكريمة ، واستعمال العلماء رحمهم الله للصلاة في موضع والرحمة في موضع : أن الصَّلاة ليست هي الرحمة .

انشره أيها الموفق لتؤجر فأكثر المسلمين يرددونها ولا يعلمون معناها وبعض النصارى بجادل المسلمين معجّزاً لهم بسؤالهم ما معنى صلاة الله على نبيه؟

مسلم 70 27-01-19 01:38 AM

نتااابع...

مسلم 70 02-03-19 02:39 AM







قال فى طريق الهجرتين
فصل
في أن الله خلق دارين وخص كل دار بأهل
والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء فهو موصوف بالرضا والغضب والعطاء والمنع والخفض والرفع والرحمة والانتقام فاقتضت حكمته سبحانه أن خلق دارا لطالبي رضاه العاملين بطاعته المؤثرين لأمره القامين بمحابة وهي الجنة وجعل فيها كل شيء مرضي وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهى ولذيذ وجعل الخير بحذافيره فيها وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات والأقوال وخلق دارا أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه المؤثرين لأإراضهم وحظوظهم على مرضاته العاملين بأنواع مخالفته القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال الواصفين له بما لا يليق به الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله وهي جهنم وأودعها كل شيء مكروه وسجنها مليء من كل شيء مؤذ ومؤلم وجعل الشر بحذافيره فيها وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال فهاتان الداران هما دارا القرار وخلق دارا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين ومنها يتزود المسافرون إليهما وهي دار الدنيا ثم أخرج إليها من أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما وما يستدل به عليهما حتى كأنهما رأي عين ليصير للإيمان بالدارين وإن كان غيبا وجه شهادة تستأنس به النفوس وتستدل به فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور


الجميلة وسائر ملاذ النفوس ومشتهياتها ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش الرخي كما قيل
فإذا رآك المسلمون تيقنوا ... حور الجنان لدى النعيم الخالد
فشمروا إليه وقالوا اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهمما وجدا وتشميرا لأن النعيم يذكر بالنعيم والشيء يذكر بجنسه فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال موعدك الجنة وإنما هي عشية أو ضحاها فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله يسوق بها عباده المؤمنين إلى تلك الدار التي هي أكمل منها وزاد لهم من هذه الدار إليها فهي زاد وعبرة ودليل وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه ويثير ساكن عزماته إلى تلك فنفسه ذواقة تواقة إذا ذاقت شيئا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه حتى تتوق إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما فاقتضى ذانك النفسان آثارا ظهرت في هذه الدار كانت دليلا عليها وعبرة وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين

تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواء وهم المسافرون يقال أقوى الرجل إذا نزل بالقي والقوى وهي الأرض الخالية وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين


لمقيمين تنبيها لعباده والله أعلم بمراده من كلامه على أنهم كلهم مسافرون وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر والمقصود أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطا يسوق بها عباده المؤمنين فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانا إليهم وتذكرة وتنبيها ولما كانت هذه الدار ممزوجا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار السرور المحضة فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين وابتلى بعضهم ببعض وجعل بعضهم لبعض فتنة حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه بل العبد الواحد جمع فيه بين أساب الخير والشر وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك
فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص فميز بينهما بدارين ومحلين وجعل لكل دار ما يناسبها وأسكن فيها من يناسبها وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته وأعداءه الكافرين لنقمته والمخلطين للأمرين فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة وهؤلاء أهل النقمة والرحمة وقسم آخر لا يستحقون ثوابا ولا عقابا ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة

مسلم 70 25-04-19 10:10 PM



قاعدة إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجل عوض وأفضله وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه وإقباله عليه بعد أن كان نائيا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضا وللوقوف على أبواب غيره متعرضا وكانت البلية في هذا عين النعمة وإن ساءته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وإن لم يرده ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادته الشر به فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل والله ولي التوفيق

مسلم 70 25-04-19 10:14 PM

قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب
الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإرادتهم وشهواتهم متفاوتون بحسب شهودهم لأسبابها وغايتها أعظم تفاوت وجماع ذلك ثمانية مشاهد



أحدها شهود السبب الموصل إليها والغاية المطلوبة منها فقط وهو شهود الحيوانات إذ لا تشهد إلا طريق وطرها وبرد النفس بعد تناولها وهذا الضرب من الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم في ذلك فرق إلا بدقيق الحيلة في الوصول إليها وربما زاد غيره من الحيوانات عليه مع تناولها ولذاتها
المشهد الثاني من يشهد مع ذلك مجرد الحكم القدري وجريانه عليه ولا يجوز شهوده ذلك وربما رأى أن الحقيقة هي توفية هذا المشهد حقه ولا يتم له ذلك إلا بالفناء عن شهود فعله هو جملة فيشهد الفاعل فيه غيره والمحرك سواه فلا ينسب إلى نفسه فعلا ولا يرى لها إساءة ويزعم أن هذا هو التحقيق والتوحيد وربما زاد على ذلك أنه يشهد نفسه مطيعا من وجه وإن كان عاصيا من وجه آخر فيقول أنا مطيع الإرادة والمشيئة وإن كنت عاصيا للأمر وإن كان ممن يرى الأمر تلبيسا وضبطا للرعاع عن الخبط والحرمان مع حكم الطبيعة الحيوانية فقد رأى نفسه مطيعا لا عاصيا كما قال قائلهم في هذا المعنى
أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات
وأصحاب المشهد الأول أقرب إلى السلامة من هؤلاء وخير منهم وهذا المشهد بعينه هو المشهد الذي يشهده المشركون عباد الأصنام ووقفوا عنده كما قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ,,,,وقالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا ولا حرمنا من شيء



وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين أمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه

فهذا مشهد من أشرك بالله ورد أمره وهو مشهد إبليس الذي انتهى إليه إذ يقول لربه رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين والله أعلم
المشهد الثالث مشهد العقل الكسبي القائم بالعبد فقط ولا يشهد إلا صدوره عنه وقيامه به ولا يشهد مع ذلك مشيئة الرب له ولا جريان حكمه القدري به ولا عزة الرب في قضائه ونفوذ أمره بل قد فني بشهود معصيته بذنبه وقبح ما اجترمه عن شهود المشيئة النافذة والقدر السابق إما لعدم اتساع قلبه لشهود الأمرين فقد امتلأ من شهود ذنبه وجرمه وفعله مع أنه مؤمن بقضاء الرب وقدره وأن العبد أقل قدرا من أن يحدث في نفسه ما لم يسبق به مشيئة بارئه وخالقه وإما لإنكاره القضاء والقدر جملة وتنزيهه للرب أن يقدر على العبد شيئا ثم يلومه عليه فأما الأول وإن كان مشهده صحيحا نافعا له موجبا له أن لا يزال لائما لنفسه مزريا عليها ناسيا للذنب والعيب إليها معترفا بأنه يستحق العقوبة والنكال وأن الله سبحانه إن عاقبه فهو العادل فيه وأنه هو الظالم لنفسه وهذا كله حق لا ريب فيه لكن صاحبه ضعيف مغلوب مع نفسه غير معان عليها بل هو معها كالمقهور المخذول فإنه لم يشهد عزة الرب في قضائه ونفوذ أمره الكوني ومشيئته وأنه لو شاء لعصمه وحفظه وأنه لا معصوم إلا من عصمه ولا محفوظ إلا من حفظه وأنه هو محل لجريان أقضيته وأقداره مسوق إليها في سلسلة
إرادته وشهوته


مسلم 70 25-04-19 10:20 PM



وأن تلك السلسلة طرفها بيد غيره فهو القادر على سوقه فيها إلى ما فيه صلاحه وفلاحه وإلى ما فيه هلاكه وشقاؤه فهو لغيبته عن هذا المشهد وغلبة شهود المعصية والكسب على قلبه لا يعطي التوحيد حقه ولا الاستعاذة بربه والاستغاثة به والالتجاء إليه والإفتقار والتضرع والإبتهال حقه بحيث يشهد سر قوله وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك فإنه سبحانه رب كل شيء وخالق كل شيء والمستعاذ منه واقع بخلقه ومشيئته ولو شاء لم يكن فالفرار منه إليه والإستعاذة منه به ولا ملجأ منه إلا إليه ولا مهرب منه إلا إليه لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأما الثاني وهو منكر القضاء والقدر فمخذول محجوب عن شهود التوحيد مصدود عن شهود الحكمة الإلهية موكول إلى نفسه ممنوع عن شهود عزة الرب في قضائه وكمال مشيئته ونفوذ حكمه وعن شهود عجزه هو وفقره وأنه لا توفيق له إلا بالله وأنه إن لم يعنه الله فهو مخذول وإن لم يوفقه ويخلق له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع فحجابه عن الله غليظ فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ولا طريق إلى الله أقرب من دوام الافتقار إليه
المشهد الرابع مشهد التوحيد والأمر فيشهد انفراد الرب بالخالق ونفوذ مشيئته وتعلق الموجودات بأسرها به وجريان حكمه على الخليقة وانتهاءها إلى ما سبق لها في علمه وجرى به قلمه ويشهد ذلك أمره ونهيه وثوابه وعقابه وارتباط الجزاء بالأعمال واقتضاءها له ارتباط المسببات بأسبابها التي جعلت أسبابا مقتضية لها شرعا وقدرا وحكمة فشهوده توحيد الرب وانفراده بالخلق ونفوذ مشيئته وجريان قضائه وقدره يفتح له باب الإستعاذة ودوام الإلتجاء إليه والافتقار إليه وذلك يدنيه من عتبة العبودية ويطرحه بالباب فقيرا عاجزا مسكينا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا
حياة ولا نشورا وشهوده أمره تعالى ونهيه وثوابه وعقابه يوجب له الحمد والتشمير وبذل الوسع والقيام بالأمر والرجوع على نفسه باللوم والإعتراف بالتقصير فيكون سيره بين شهود العزة والحكمة والقدرة الكاملة والعلم السابق والمنة العظيمة وبين شهود التقصير والإساءة منه وتطلب عيوب نفسه وأعمالها فهذا هو العبد الموفق المعان الملطوف به المصنوع له الذي أقيم مقام العبودية وضمن له التوفيق وهذا هو مشهد الرسل فهو مشهد أبيهم آدم إذ يقولربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

ومشهد أول الرسل نوح إذ يقول ربي إنأعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ومشهد إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذ يقول الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقال في دعائه رب اجعل هذا البلد إمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام فعلم أن الذي يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة الأصنام هو الله لا رب غيره فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام وهذا هو مشهد موسى إذ يقول في خطابه لربه أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين



الساعة الآن 08:35 PM.

Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
" ما ينشر في المنتديات يعبر عن رأي كاتبه "